امرأة صنعت اسمها... وحُليّها
في الحلقة الرابعة من بودكاست المرآة، ننتقل إلى مرآة تلمع فيها الفضة والأحجار الكريمة، وتتشابك فيها خيوط الحرفة بالحلم والجهد. في هذه الحلقة، نفتح صفحات "أحلام لا تنتهي"، مذكّرات عزة فهمي
القارئات والقراء الأعزاء،
في الحلقة الماضية من بودكاست المرآة، وقفنا أمام مرآة الصوت والسلطة، حيث تردّد صدى أم كلثوم عبر الأزمنة، وتقاطعت عند حدودها العاطفة والسياسة والموسيقا.
أما حلقة اليوم، فننتقل إلى مرآة أخرى؛ مرآة تلمع فيها الفضة والأحجار الكريمة، وتتشابك فيها خيوط الحرفة بالحلم والجهد. في هذه الحلقة، نفتح صفحات "أحلام لا تنتهي"، مذكّرات عزة فهمي، مع دينا عزّت وخالد منصور، لنقرأ سيرة امرأة لم تكتفِ بتعلّم حرفة، بل أعادت تعريفها، وحوّلت الموتيفات والأيقونات التاريخية إلى علامة تُطلب في دبي ولندن. ونتساءل: عن عزة فهمي وكيف تكشف سيرتها الشخصية هشاشة الادعاء التاريخي بتفوّق الذكور في الحِرف؟ وما الذي تقوله رحلتها عن علاقة الطبقة والدعم الاجتماعي، وتقاطعات الهوية، بتشكّل النجاح؟ وأين تتموضع هذه السيرة بين قصّة النجاح الفردي وانهيار العوالم الجماعية؟
نناقش أيضًا صورة مصر كما تنعكس في هذه المذكرات: من بيت الأب المثقف في صعيد الأربعينيات، إلى القاهرة بتنوّعها وطبقاتها، وصولًا إلى التحوّلات الاقتصادية والثقافية التي أعادت تشكيل معنى الحرفة والمهارة. تسرد عزة فصولًا من حياتها في تقاطع واضح مع حكاية مصر، والطبقة الوسطى، وتجربة المرأة العاملة.
في مراجعته التي حملت عنوان "دأب لا ينتهي: أحلام عزة فهمي التي تقاطعت مع أحلام عالم مضى"، يتناول خالد منصور مذكراتها متتبعًا كيف فكّكت عزة عمليًا الادعاء التاريخي بتفوّق الذكور في مجالات الحرفة والإبداع اليدوي. كما يستعيد مسار حياتها عبر محطّاته الأساسية: من الطفولة، إلى شابة عاشت تحوّلات الستينيات والسبعينيات، ثم إلى رائدة أعمال حملت علامتها إلى العالمية. غير أنّ اللافت في هذه المذكرات ليس قصة النجاح وحدها، بل ما تلوذ بالصمت حياله أيضًا.
يكتب منصور: "عزة فهمي أول امرأة مصرية تحصل على ترخيص من مصلحة الدمغة والموازين الحكومية المصرية للعمل كصائغة أو شخص من حقه تقديم حليّ صنعتها والحصول على ختم من المصلحة يؤكد نسبة الذهب أو الفضة فيها."
وخلف هذا النجاح، تظهر ملامح حياة مختلفة، يصفها قائلًا: "ترسم الكاتبة ملامح نمط حياة أقلية صغيرة موسرة في مصر الأربعينيات التي كانت تمور بحراك اجتماعي وسياسي بين العمال والطلبة والقوميين وغيرهم من التيارات السياسية، احتجاجًا على الفوارق الاجتماعية الحادة، والنظام السياسي النخبوي المتمسك بإقطاعيته، والاحتلال الإنجليزي. لكنها لا تتحدث عن هذه الجوانب السياسية مباشرة، غير أنها لا تتفادى وصف كيف كان معظم المصريين يعيشون في تلك الفترة؛ فتتطرّق إلى شيوع الحفاء بين عموم الناس، وغياب الكهرباء، حيث كان الأطفال يذاكرون تحت أعمدة النور العمومية في الشوارع، بينما كانت عائلتها تذهب في رحلة صيف منتظمة لشاطئ البحر أو لخارج البلاد."
تفيض المذكرات بتفاصيل المهنة والسفر، لكنها تكاد تتجنّب البوح العاطفي والسياسي. زواج دام سبعة عشر عامًا يُختزل في أقل من فقرتين، وعقود من التحوّلات السياسية تمرّ بوصفها إشارات عابرة. فيشير منصور إلى ذلك بقوله: "هناك جانبان لا تقترب منهما عزة فهمي في سيرتها الذاتية: حياتها العاطفية الخاصة، والأوضاع السياسية في مصر أو في أي بلد زارته أو أقامت فيه. وهو تحاشٍ غريب في كتاب عن السيرة الذاتية، خصوصًا في منطقة تتداخل فيها السياسة العامة بالحياة الخاصة بقوة. فلا ذكر للحروب المتعددة التي خاضتها مصر، ولا لأنظمة الحكم فيها، ولا للتحوّلات الاقتصادية، ولا حتى للحروب التي كانت دائرة في البلدان التي زارتها."
وفي خاتمة نصّه، يكتب منصور: "معظم أحلام عزة تحقّقت... لكن أحلام العوالم التي عاشتها تحطّمت وتكسرت على صخور عديدة لم تتحدث عنها عزة كثيرًا." إنها مفارقة المنطقة العربية في النصف الثاني من القرن العشرين: نجاحات فردية استثنائية تتحقّق وسط انهيارات جماعية.
في هذه الحلقة، نقترب من أسئلة تجمع بين الفرصة والدأب، وبين الامتياز والاستحقاق، وبين التراث والحداثة، لنرى في المرآة كيف تُصاغ الأحلام من فضة وذهب، وكيف تتحوّل الحرفة إلى علامة تجارية عالمية.
كنتم معنا في الحلقة الرابعة... والمرآة هذه المرّة لامرأة صنعت ذاتها، ثم صنعت علامة باقية.
دمتم بخير،
رهام عمرو


