درسٌ في التاريخ: بين الاستعمار الاستيطاني والصهيونية الأكاديمية
تفرض إسرائيل اليوم وقائع جديدة على أرض فلسطين - باسم "السيادة" في الضفة، وباسم "الأمن" في غزة - في استمرار لبنية استعمارية عميقة، فيما تتولى الصهيونية الأكاديمية إنتاج سرديات تشرعن هذا التوحش
القارئات والقراء الأعزاء،
تفرض إسرائيل اليوم وقائع جديدة على أرض فلسطين - باسم "السيادة" في الضفة، وباسم "الأمن" في غزة - في استمرار لبنية استعمارية عميقة، فيما تتولى الصهيونية الأكاديمية إعادة إنتاج السردية التي تشرعن هذا التوحش وتروّج له في الوعي الغربي. ففي 24 تموز/يوليو 2025، صادق الكنيست على مشروع قرار يدعو إلى فرض "السيادة الإسرائيلية" على الضفة الغربية، بما في ذلك غور الأردن، مستندًا إلى ما يُسمّى "الحق التاريخي لليهود في أرض إسرائيل". يُعدّ هذا القرار تتويجًا لمسار طويل من السياسات الرامية إلى نزع الشرعية عن الوجود الفلسطيني وتعميق منطق الضم، في تجاهل صارخ للقانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية.
ولم تمضِ أسابيع قليلة حتى أعلن مكتب رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، في 8 آب/أغسطس 2025، موافقة المجلس الوزاري المصغر على خطة للسيطرة على مدينة غزة، تمهيدًا لاحتلال القطاع بأكمله، رغم التحذيرات العسكرية من تداعيات هذه الخطوة. تكشف هذه التطورات المتسارعة عن تصعيد متزامن على المستويين القانوني والعسكري، يندرج في إطار استراتيجية متكاملة لإحكام السيطرة الإسرائيلية على الأرض وتفريغها من سكانها الأصليين.
في هذا السياق المشحون بالتحوّلات، تزداد أهمية تفكيك المفاهيم المُستعمَلة لتبرير الاستعمار والاستيطان، وخصوصًا في الفضاء الفكري الغربي. ومن هذا المنطلق، ننشر في "الصالون" ترجمة لمقال الكاتبة والأكاديمية لاله خليلي، المعنون بـ"درس في التاريخ" والمنشور في مجلة "Jewish Currents" وبموافقة من الجهة الناشرة.
تناقش خليلي في مقالها كتاب آدم كيرش" عن الاستعمار الاستيطاني: الأيديولوجيا والعنف والعدالة" الصادر عام 2024، موجهةً نقدًا حادًا لمحاولته التشكيك في مفهوم الاستعمار الاستيطاني عند تناوله الحالة الإسرائيلية. تُبيّن الكاتبة أن هذا المفهوم لم يكن يومًا حديث النشأة كما يُروَّج، بل تشكّل في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي على أيدي مفكرين عرب وفلسطينيين، من أبرزهم فايز صايغ، الذي أصدر عام 1965 كتيّبًا بعنوان "الاستعمار الصهيوني في فلسطين"، وجورج جبّور، مؤلف كتاب "الاستعمار الاستيطاني في جنوب أفريقيا والشرق الأوسط".
كما توجد كتابات أخرى تناولت هذا الموضوع عبر سياقات مشابهة، صادرة عن مؤلفين غير عرب أو فلسطينيين، من بينهم إيلان بابيه في كتابه "إسرائيل وجنوب أفريقيا: أوجه متعددة من الفصل العنصري"، الذي يقارن فيه بين نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا والسياسات الإسرائيلية ضد الفلسطينيين. يؤكد هذا الإرث الفكري أن ما تمثّله إسرائيل لا يمكن فصله عن بنية الاستعمار الاستيطاني، وأن ما يحدث في فلسطين اليوم ليس طارئًا، بل امتداد لبنية استعمارية يُعاد صياغتها والترويج لها تحت مسمّيات مضلّلة.
تغوّل إسرائيل على فلسطين وجوارها العربي يذكّرنا بأن التاريخ لا يُطوى؛ فهو درس يتكرر بدمٍ جديد فوق الأرض نفسها. وقراءة هذا الدرس اليوم، عبر مقالات نقدية مثل مقال لاله خليلي، تُعيد إلى الأذهان أن الاستعمار الاستيطاني لم يأت فجأة، وأن الصراع على الأرض والذاكرة متجذّر وعابر للأجيال. ويمثل استرجاع هذا التاريخ واجبًا علينا جميعًا، قبل أن تُطوى الصفحات تحت ركام الصمت، ويصبح التاريخ شاهدًا عاجزًا على الإبادة الجارية.
دمتم بخير،
رهام عمرو


