صفحات من معرض القاهرة الدولي للكتاب
ودّع جمهور معرض القاهرة الدولي للكتاب نسخته السابعة والخمسين،في الثالث من فبراير، بعد أسبوعين تردّد خلالها الملايين على أروقته
دينا عزت
في الثالث من شباط/ فبراير، ودّع جمهور معرض القاهرة الدولي للكتاب نسخته السابعة والخمسين، التي عُقدت في مركز مصر للمعارض الدولية بمنطقة التجمع الخامس في القاهرة الجديدة، بعد أسبوعين تردّد خلالها الملايين على أروقته. حقّق الناشرون المصريون، إلى جانب نظرائهم القادمين من الدول العربية، مبيعات لا يمكن وصفها بالمرتفعة، لكنها لم تكن منخفضة أيضًا، رغم ارتفاع أسعار الكتب، لا سيما تلك الصادرة عن دور النشر الخاصة، وبدرجة أقلّ الإصدارات المعروضة لدى دور النشر الحكومية، مثل الهيئة العامة للكتاب، والهيئة العامة لقصور الثقافة، والمركز القومي للترجمة.
وبينما بدا الأدب طاغيًا في جديد إصدرات الناشرين المشاركين في هذه الفعالية الثقافية الكبرى، سواء تلك المكتوبة أصلًا باللغة العربية أو المترجمة إليها، حظيت إصدرات في السياسة والتاريخ والفلسفة بحضور واضح في المعروض من الكتب، كما شهد المعرض عودة ملحوظة للشعر.
وقد لفتت الانتباه كذلك مجموعة من العناوين الصادرة في عام 2025 وبدايات 2026، عكست تنوّعًا في الموضوعات والاهتمامات؛ من بينها كتاب “وليّ النعم: محمد علي باشا وعالمه“ لخالد فهمي عن دار الشروق، ورواية "المعبود" لإبراهيم الكوني عن دار مسكيلياني، ورواية "جلسة شاي في أصفهان" لمرجان كمالي عن المركز الثقافي العربي، إلى جانب رواية "على سرير الكتابة" للأسير الفلسطيني المحرّر ناصر أبو سرور عن دار الآداب في بيروت، وهي سردية من أدب السجون تتّخذ من تجربة الاعتقال نقطة انطلاق لبناء عالمها الأدبي.
وبين مآسي غزة، وأسئلة الهوية والتاريخ السياسي لمصر، وصولًا إلى سير أدبية ومذكّرات ورسائل لرجال ونساء من الخليج والمشرق والمغرب، برزت عناوين لافتة في المعرض، الذي يصفه الناشرون بأنه من أهم معارض الكتاب في العالم العربي، رغم تراجع القدرة الشرائية لدى الجمهور المصري.
عن غزة... منها وإليها
أصدرت "الكتب خان" المصرية عام 2025 ترجمتها العربية، الممهورة باسم المترجم عبد المجيد المهيلمي لكتاب بيتر بينارت "أن تكون يهوديًا بعد تدمير غزّة: لحظة حساب". في كتابه يتحدث بينارت بإيجاز عن الدمار والقتل والتخريب المتعمّد الذي ألحقته إسرائيل بغزة خلال حربٍ استمرت عامين، قتلت فيها عشرات الآلاف من الأرواح، وأُصيب مئات الآلاف، وانهارت فيها مقومات الحياة من أبسطها إلى أكثرها تعقيدًا. لكنه يحاجج مطوّلًا بضرورة أن يكون هذا القتل والتدمير سببًا في أن يواجه كل يهودي، سواء كان يعيش في إسرائيل أو خارجها، ذاته، وأن يتساءل عمّا إذا كان ما حلّ بغزة يمكن تبريره من الناحية الدينية التي تطالب كل يهودي بالتحلّي بحسن الأخلاق وألّا يقع في خطيئة القتل، التي يذكر الكاتب أنها من أسباب حلول غضب الرب على الشعب اليهودي.
إلى جانب إصدار “الكتب خان”، أصدرت “دار العربي” ترجمة عربية لكتاب بعنوان "لسنا أرقامًا : أصوات شباب غزة"، الصادر أولًا بالإنجليزية، وهو يضم شهادات جمعتها مؤسسات غير حكومية لروايات أهل غزة عن الحياة تحت الحصار المفروض منذ عام 2007، عقب فوز حركة حماس في الانتخابات التشريعية. وبحسب الناشر شريف بكر، فإن حرص "دار العربي" على تقديم هذا الكتاب لقراء معرض القاهرة الدولي للكتاب "يهدف إلى أن يعرف القارئ أن الحرب وتبعاتها تتجاوز ما تنقله القنوات الفضائية من مشاهد قتل، وسقوط منازل، واستخراج للجثث، إلى ما هو أكثر من ذلك بكثير في كل تفاصيل الحياة اليومية".
ولم يكن "لسنا أرقامًا" العنوان الوحيد الذي يتيح للقارئ النظر في تفاصيل الوحشية الإسرائيلية بحق المدنيين الفلسطينيين قبل حرب الإبادة التي بدأت في تشرين الأول/ أكتوبر 2023. فكتاب "غزة تقاوم بالكتابة: قصص قصيرة بقلم كتّاب شباب في غزة- فلسطين"، المترجم أيضًا عن الإنجليزية، يتيح للقراء أن يقتربوا من عمق الألم المتراكم في النفس الغزّاوية عبر تصفح أربعٍ وعشرين قصة قصيرة كتبها شبّان وفتيات من غزة بعد عدوان سابق شنّه جيش الاحتلال الإسرائيلي في نهاية عام 2008 وبداية عام 2009.
أقباط مصر: الماضي الملحّ والمكاشفة الآنية
بينما تراجع النهم الكبير لإصدار عناوين جديدة كثيرة عن يهود الدول العربية، وخصوصًا اليهود المصريين، وهو الموضوع الذي سيطر على كثير من الإصدارات في السنوات الخمس الماضية، شهد معرض الكتاب هذا العام إضافات مهمة إلى عناوين كانت قليلة نسبيًا حول أقباط مصر؛ تلك الكلمة الملتبسة التي تُستخدم عادة للإشارة إلى المسيحيين المصريين عمومًا، بدل معناها الأدق الذي يحيل إلى أتباع الكنيسة المصرية الأرثوذكسية، وهم الغالبية العظمى من المسيحيين في المجتمع المصري.
تشير إلى هذا الالتباس نيفين مسعد، أستاذة العلوم السياسية بجامعة القاهرة، وصاحبة كتاب "الشخصية القبطية في الأدب المصري" الصادر عن "دار العين" في معرض القاهرة الدولي للكتاب هذا العام، والذي يجمع بين دفتيه تحليلًا معمقًا لتمثلات الشخصية القبطية في الأدب المصري الحديث والمعاصر، المكتوب على السواء بأقلام نساء ورجال في مصر، من الأقباط وغيرهم من المسيحيين المنتمين إلى الكنيسة الكاثوليكية، على تنوعاتها، والكنيسة البروتستانتية. في مقدمته القصيرة للكتاب، التي كتبها الروائي المصري نعيم صبري، المولود في أسرة قبطية قاهرية، يذكر أن الكتاب يطرح عددًا من الأسئلة، أهمها: هل توجد بالفعل شخصية مسيحية تختلف عن الشخصية المسلمة؟ وما صفات هذه الشخصية، إن وجدت؟ وكيف تطورت، وإلى أي مدى تأثرت بالظروف المحيطة؟
أما "دار الديوان" فطرحت هذا العام كتابًا لكمال زاخر بعنوان "كنيستنا القبطية إلى أين؟ المسارات، الطموحات، المخاطر"، وهو كتاب يشتبك، بحسب زاخر، مع ما يقارب أربعة عقود من الإشكاليات الكنسية. ويحاجج في كتابه الذي يتسم بنبرة هادئة غير اندفاعية، بأن الكنيسة القبطية المصرية، التي عرفت في عقود سابقة جهودًا تنويرية لعدد غير قليل من القيادات الدينية والمدنية القبطية، تواجه اليوم أسئلة كبرى حول واقع الأقباط وحال اندماجهم المجتمعي، رغم ما يحملونه من إرث تاريخي جعلهم في حالة ميل، أحيانًا لا شعوري، إلى التخندق، نتيجة ما تراكم في الذاكرة القبطية الجماعية من إحساس بالحاجة إلى تفادي الآخر دفاعًا عن الهوية اللاهوتية الأرثوذكسية في مواجهة امتدادات كاثوليكية وبروتستانتية.
أما أحمد صبرة، ففي كتابه الصادر عن "دار العين" هذا العام بعنوان "الأقباط والدولة المسلمة الملتبسة (41هـ/642م – 217هـ/832م)"، يتطرق بصورة مباشرة إلى النقطة التأسيسية في علاقة المجتمع القبطي المصري بالمجتمع المسلم الذي قدم إلى مصر في القرن السابع الميلادي. وبحسب صبرة، فإن هذه النقطة التأسيسية تتجاوز لحظة وصول عمرو بن العاص إلى مصر، وما نُسب إليه، في كثير من الروايات، من قرارات تتعلق بمنح الأقباط حقوقهم دون تدقيق كافٍ في سياقاتها التاريخية. ويذكر صبرة أن كتابه يمثل الجزء الأول من مشروع يعتزم استكمال دراسة حال الأقباط في مصر عبر ثلاث مراحل: الأولى، وهي موضوع الكتاب الصادر هذا العام، وتتعلق بالمائتي عام الأولى للحكم العربي لمصر؛ والثانية يخصصها لفترة الدولة الفاطمية حتى نهاية الحملة الفرنسية في مطلع القرن التاسع عشر؛ أما الثالثة فستتناول الفترة الممتدة من نهاية الحملة الفرنسية حتى عام 2013.
ناصر والسادات: قراءات استرجاعية
شهد معرض القاهرة الدولي للكتاب هذا العام صدور عدد غير قليل من الكتب التي تتناول حكم الرئيسين المصريين جمال عبد الناصر وأنور السادات، اللذين تواليا على حكم البلاد بعد حركة الضباط الأحرار التي استحالت ثورة في تموز/ يوليو 1952.
وبعض هذه العناوين حديث الصدور، فيما يعود بعضها الآخر إلى سنوات سابقة. ومن المجموعة الأخيرة وفّرت دار المحروسة نسخًا من كتابها الصادر عام 2015 تحت عنوان "قراءات في مذكرات ضباط يوليو 1952"، والذي يلتزم فيه طلعت رضوان بما يعد به العنوان؛ إذ يتجوّل في مذكرات عدد من شخصيات "يوليو 1952" ليقدّم مجموعة من الخلاصات شديدة الجدلية، من أبرزها القول إن تنسيقًا ما جرى بين الضباط الأحرار والولايات المتحدة لضمان نجاح إقصاء فاروق عن الحكم وانتقال الدولة إلى يد الضباط الذين قاموا بعزل آخر ملوك مصر. كما يذهب إلى أن جمال عبد الناصر مارس قدرًا من الخداع والانتفاعية السياسية، سواء مع الضباط الأحرار أنفسهم، وعلى رأسهم محمد نجيب، ليقصيهم بعد أن دانت له الأمور، أو مع الإخوان المسلمين الذين اعتمدهم سندًا في بدايات "حركة يوليو" قبل أن ينقلب عليهم ويرسل بقياداتهم إلى السجون والمشانق.
أما محمود الورداني، الروائي ذو الانتماء الماركسي، فقد صدر له عن "المحروسة" أيضًا، في هذه الدورة من المعرض، كتاب يمكن وصفه بسهولة بأنه واحد من أفضل إصدارات الدار، رغم أنه في الأصل إعادة إصدار لكتاب كان قد صدر قبل نحو عقدين عن "دار الهلال" ، تحت العنوان ذاته: "حَدِتو: سيرة ذاتية لمنظمة شيوعية".
أما “دار المرايا”، التي مُنعت للعام الثاني على التوالي من المشاركة في المعرض، فقد فعلت ما فعلته في العام الماضي، وما سبق أن فعلته “مكتبة تنمية”، التي مُنعت من المشاركة خمس سنوات قبل أن يُسمح لها بالعودة؛ إذ أقامت معرضها الخاص في مقرها بوسط البلد، وقدّمت فيه جديد كتبها إلى جانب إصداراتها السابقة، فضلًا عن حفلات توقيع ونقاشات، يقول الناشر يحيى فكري إنها محاولة للمشاركة في واحد من أهم الأحداث الثقافية في مصر والعالم العربي، ولو عن بُعد.
والتزامًا بخطها التقدمي واهتمامها بتقديم قراءات مختلفة للتاريخ، طرحت “المرايا” هذا العام كتابًا لافتًا لشريف إمام بعنوان "السادات والمنابر وبرلمان 1976: دولة يوليو تفتح باب السياسة وتحتفظ بمفاتيحه!". يقترب هذا النص، بالتحليل، من مساعي المناورة السياسية التي أكثر أنور السادات من اتباعها في النصف الثاني من حكمه، الممتد عبر عقد بدأ بوفاة جمال عبد الناصر في أيلول/ سبتمبر 1970 وانتهى باغتيال السادات نفسه في تشرين الأول/ أكتوبر 1981.
وهكذا بدا معرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته لهذا العام مساحة لاجتماع الأزمنة والموضوعات؛ من قراءات تستعيد تجربة محمد علي باشا وعبد الناصر والسادات، إلى شهادات وسرديات توثّق ما يجري في غزة، مرورًا بكتب تتناول تاريخ الحركات السياسية والفكرية في مصر، واستعادة تجارب فكرية وأدبية قديمة، وصولًا إلى إصدارات جديدة تحاول فهم منطقتنا التي تتغيّر بعنف وسرعة. وليست العناوين التي وردت في هذه التغطية سوى أمثلة قليلة من بين عدد كبير من الإصدارات المهمّة التي شهدها المعرض هذا العام؛ إذ تفرض محدودية المساحة الاكتفاء بالإشارة إلى بعضها، فيما يبقى المشهد أوسع وأكثر ثراءً مما يمكن الإحاطة به في هذا السياق.






