بين صفحات الكتب: حضور المرأة وتواريها
في هذا العدد، تقترب القراءات من حضور المرأة والكشف عن جوانب أقل تداولًا في قراءاتنا الثقافية المتصلة بالجسد والسلطة ومكانة المرأة في المجتمع
القارئات والقراء الأعزاء،
تقدم كارولين كامل، في نشرة “بين صفحات الكتب“، قراءات عن حضور المرأة وتمثّلاتها في الثقافة والتاريخ، من الفكاهة المرتبطة بالجسد والرغبة، إلى ضحك النساء وعلاقته بالحضور في المجال العام، وصولًا إلى إعادة النظر في موقع النساء داخل السرد التاريخي.
تتبدّى صورة المرأة في عدد من الإصدارات الحديثة عبر حضور غير مباشر في الأدب والتاريخ والنقد الثقافي، بما يكشف جوانب أقل تداولًا في قراءاتنا الثقافية المتصلة بالجسد والسلطة ومكانة المرأة في المجتمع. كما تفتح هذه الأعمال نقاشًا حول علاقات القوة وحدود المسموح اجتماعيًا وما يُسكَت عنه في السياق التاريخي. يجمع هذا العدد ثلاث قراءات تقترب من هذه المساحات المتداخلة: من النكتة وما تعكسه من تصوّرات عن الجسد والرغبة داخل المجتمع، إلى ضحك النساء وعلاقته بالحضور في المجال العام، وصولًا إلى إعادة قراءة التاريخ من زاوية تُنصت إلى من توارى، لا إلى من تصدّر السرد.
المرأة العربية والفكاهة الجنسية

يقول جابر خضير: “لعل من بديهيات القول أن النكتة ليست نصًا يُؤلّفه منتجه لغرض إثارة الضحك المحض المجرد من أية غاية أو هدف. فالضحك دائمًا موجّه نحو ظاهرة قد تكون اجتماعية أو سياسية أو دينية أو حتى أدبية. وهو بهذا المعنى يعكس الجانب الإيجابي في المجتمع المنفتح بالطبع على ممارسة النقد والحرية في إبداء الرأي”.
هل يُمكن للنكتة أن تُغضب الأنظمة؟ سؤال تكمن إجابته في الواقع المرير لدى عدد من الدول العربية، حيث شهدت السنوات الأخيرة حبس رسامي كاريكاتير وبعض صانعي المحتوى الساخر، بينما هرب آخرون خارج البلاد. تحولت الفكاهة بدورها إلى جريمة تزج بصاحبها في السجن سنواتٍ قد تطول مقارنة بالحكم المخفف الذي يحصل عليه رجل قتل زوجته بحجة الشك في سلوكها، حيث الأحكام المخففة لجرائم الشرف.
يرى خضير في كتابه “الفكاهة الجنسية عند العرب” أن ثقل الفكاهة كفعلٍ يستند إلى ما لها من مضامين تخرق منظومة القيم السائدة في المجتمع العربي. ويوضح في المقدمة أن اختياره للفكاهة الجنسية بذاتها عند العرب كموضوع للبحث، جاء لأنها تُعبر بشكل كبير عن السلوك الجنسي للفرد، سواء لانطلاقها من كبت غريزي، أو من دوافع عدوانية تجاه الفئات المختلفة التي تستهدفها النكات بالسخرية.
يضم الكتاب ثلاثة فصول، يتناول الأول مظاهر السلوك الجنسي، أي الميول الغيرية أو المثلية، سواء ما يمكن تسميته بالطبيعية أو الاختيارية والتفضيلية، كونها حقلًا خصيبًا لاستدعاء النقد اللاذع والتهكمي. وتنطوي الفكاهة فيها على إعلاء قبول الممارسات التي يوافق عليها المجتمع تحت مسمى “الطبيعي”، وانتقاص الممارسات الأخرى وأصحابها التي تخضع لرفض مجتمعي مرتبط بقيود دينية بشكل كبير.
ضحك النساء: استعادة الصوت والحضور

“فأنكرت سارة قائلة: لم أضحك. لأنها خافت. فقال (الرب): لا! بل ضحكتِ.”
جاءت ضحكة سارة، زوجة النبي إبراهيم، وفقًا للنص التوراتي “سفر التكوين، الإصحاح الثامن عشر”، بعد أن سمعت الرب يخاطب زوجها إبراهيم مُعلنًا له أن زوجته بصدد أن تلد له ابنًا. استقبل إبراهيم النبوءة الإعجازية، بينما ضحكت سارة التي كانت تستمع إلى حديثهما من داخل الخيمة، وسخرت متسائلة بشكل عفوي ومنطقي: كيف لها أن تلد بعدما انقطعت عادتها الشهرية. ووفقًا للنص، لم يخاطبها الرب مباشرة بل خاطب زوجها، الذي لم يبدُ أن لديه ردًا على ما فعلته زوجته، ولكنها أسرعت بالدفاع عن نفسها بالإنكار. والمفارقة أن سارة نفسها، عند ولادة طفلها، تقول: “قد صنع لي الله ضحكًا. كل من يسمع يضحك لي.”
تتتبع المؤرخة الفرنسية سابين ملكيور بونيه في كتابها “ضحك النساء: قصة سُلطة” تاريخ ضحك النساء، الموضوع الذي يبدو للوهلة الأولى فئويًا ومتخصصًا جدًا حتى في علاقته بتاريخ النساء ذاته، إلا أن الكاتبة توضح الارتباط بين بحثها وبين كون الضحك ممارسة وحقًا لا يتجزأ عن التفاعل الاجتماعي اليومي للبشر، وبالتالي فهو وثيق الصلة بتاريخ النساء.
تصف بونيه فعل الضحك بأنه تواصلي ومتبادل، ويعتمد في صناعته على التحكم وتوجيه مجرى الحديث، وهو الأمر الذي كان منوطًا بالرجال فقط، خاصة وأنه يتطلب سرعة البديهة والحصيلة المعرفية والجرأة، وهي أمور لم تكن ضمن مؤهلات المرأة التي لم تنل آنذاك أدنى فرصة للتعليم. فالنساء، ولفترة طويلة، كنّ حبيسات الجدران بشكلٍ ما، إلا في الحدود التي يسمح بها كل مجتمع وفقًا لقيوده بالحركة. وبالتالي، فإن ما نسميه “ضحك النساء” يعد إنجازًا يتعلق بحصولهن على حريتهن في الوجود العام، ورفع أصواتهن في تلك المساحة التي استأثر بها الرجل بفرضه السيطرة على المكان والحديث.
لم يكف العالم يومًا عن الانشغال بردود أفعال النساء التي قد تتسم بالغموض أو يعجز الآخر عن تفسيرها، خاصة فيما يتعلق بالابتسامة أو الضحك، لأنها اللغة التي يمكن من خلالها إخفاء الكثير من النوايا. وفي الكتاب، تحكي بونيه عن ابتسامة الموناليزا المُحيرة، والابتسامة الأيقونية الوديعة للسيدة العذراء، وابتسامات النساء المنبوذات اللواتي اتُهمن بممارسة الشعوذة والسحر، إذ كنّ دومًا حاضرات بضحكات مُجلجلة. كل هذه الرموز لضحك النساء لها حضور قوي وفاعل في التاريخ.

“من طبخت العشاء الأخير؟... إن كان رجلًا، ألن يُخصّص له يوم بين أعياد القديسين، ويصبح شفيعًا للطهاة المشهورين؟”
تطرح روزاليندا مايلز هذا السؤال في السطر الأول من مقدمة كتابها، وهي مؤرخة ومحاضرة جامعية وناشطة حقوقية، وقد أصبحت في سن السادسة والعشرين أصغر قاضية في تاريخ المملكة المتحدة، وشغلت منصبها ذلك مدة عشرة أعوام. بالكاد ظهرت بعض النساء في المشهد خلال مواكب التاريخ المبهرجة، تقول الكاتبة، إن السؤال الذي طرحته واجهه البعض بسؤال آخر: لماذا تكتبين عن تاريخ النساء بالمطلق؟ ألم يتقاسم الرجال والنساء العالم دومًا، واختبروا معًا حسناته وسيئاته؟ فتجيب مايلز: “نعم، كان من حق الفلاح الذكر مثلاً، مهما عانى من القمع الغاشم، أن يضرب زوجته، وتوجب على العبد الأسود أن يكدح من أجل سيده نهارًا، لكنه لم يضطر لخدمته ليلًا كالمرأة السوداء. إذ تتحمل النساء حصة إضافية من الألم والتعاسة مهما كانت الظروف”.
يضم الكتاب أربعة أجزاء، يتناول الجزء الأول المرأة ككائن من أبعاد مختلفة، بدءًا من البعد البيولوجي، إذ إن البويضة أكبر بمئات المرات من الحيوان المنوي الذي يخصبها، وتحتوي على المعلومات الجينية البدئية اللازمة لتكوين الجنين/ الإنسان، مرورًا بدور المرأة المهم في التاريخ، فهي التي عرفت الزراعة بينما خرج الذكر للصيد، ولولا الزراعة ما كان استقرار الإنسان ونشأة الحضارات بشكل مطلق.
ترى مايلز أن أحد الأمور المثيرة للاهتمام في أبحاثها، هو أن دونية النساء في المجتمعات البدائية كانت أقل بكثير مما يتخيله المراقب المعاصر، خاصة فيما يتعلق بدور الإناث في تلبية رغبات الذكر الجنسية. فالإنسان الأول، بحسب قراءتها، لم يعرف الهوس بالعذرية، الذي صار بمثابة “فيتشية جنسية” في حد ذاته. وتوضح أن تلك القيمة (العذرية) التي ظهرت بفعل سيطرة الرجل، كان الهدف منها ترسيخ الملكية وإخضاع النساء. فتقول: “عندما يكون البقاء على قيد الحياة في حد ذاته صراعًا وجوديًا، تصبح المساواة بين الرجل والمرأة مميزة”.
وفي الجزء الثاني من الكتاب، تناقش الكاتبة دور الأديان، ولا سيما ما يُعرف بـالسماوية أو الإبراهيمية، في التأثير المباشر على أوضاع النساء، نظرًا لما تبنته من طابع أبوي واضح، انسابت فيه النصوص لتُعلي من شأن الرجل على حساب المرأة، وهي أفكار تبنّتها الشعوب التي اعتنقت تلك الأديان، وأسقطت بدورها ما سبقها من معتقدات كانت تقوم على عبادة الآلهة “الأم/ الأنثى” بشكل ملحوظ.
استعانت روزاليندا ببعض التصورات المتداولة في التراث العربي حول جسد المرأة ورغباتها، متوقفة عند ما وصفته بحالة “جنون الارتياب” والخوف التي أحاطت بهذه المساحة في المخيال الاجتماعي. كما استرشدت بالدلالات اللغوية لبعض المفردات العربية، مثل لفظة “الفَرْج”، التي تعكس حمولة ثقافية تكشف جانبًا من نظرة المجتمع إلى جسد النساء. لكنها تعود وتسأل عن “فصام المجتمع” الذي يصوّر رغبة المرأة “بئرًا لا يرتوي”، بينما يمنح الرجل هامشًا أوسع في التعدد ضمن الأطر الاجتماعية السائدة، رغم القلق الذي تبديه الثقافة ذاتها تجاه رغبة امرأة واحدة.

