فاضمة ... المنفية الأبدية
في هذه الحلقة من بودكاست "المرآة"، ندعوكم للإستماع إلى صوت أمازيغي طال بقاؤه في هامش السرديات الكبرى، ولتأمّل سيرة امرأة تقدم في مذكراتها أثر زمن مضطرب يتجاوز حدود السرد الشخصي.
القارئات والقراء الأعزاء،
نتأمل في هذه الحلقة ما تعكسه مرآة أمازيغية عبر سيرة فاضمة آث منصور عمروش في كتابها "قصة حياتي." تتجاوز هذه المذكرات حدود السرد الشخصي لتغدو شهادة على زمن قاسٍ ومجتمع مأزوم، وعلى استعمار لم يقتصر أثره على الأرض، وإنما امتدّ إلى اللغة والدين والجسد، وإلى أكثر الخيارات حساسية في حياة النساء وأبناء المنطقة عمومًا.
تأخذنا فاضمة من طفولة موسومة بالعار إلى تجربة تعليم ملتبسة بلغة غريبة عنها، ومن مجتمع قبائلي تحكمه تقاليد صارمة إلى واقع استعماري يعيد تشكيل الهويات قسرًا. وفي قلب هذه التحوّلات تتبدّى تجربة فقد الأبناء، التي تركت أثرًا عميقًا في حياتها وفي أشعارها وأغانيها التي حملت حزنًا كثيفًا وصامتًا.
يناقش هذه السيرة كلٌّ من دينا عزّت وخالد منصور في حوار نصغي فيه إلى صوت فاضمة ونتتبّع ملامح النص بين السيرة الذاتية والشهادة التاريخية والأنثروبولوجية. ويتوقّف النقاش عند قضايا الوصم الاجتماعي، وموقع المرأة في المجتمع القبائلي، وتعقيدات التعليم في سياق استعماري، إضافة إلى معنى المنفى بوصفه حالة وجودية تتجاوز فكرة الانتقال الجغرافي.
"لقد بقيت دائمًا قبائلية (أمازيغية)، وعلى الرغم من أربعين سنة أمضيتها في تونس، وعلى الرغم من تكويني اللغوي والمهني الفرنسي، فإنني لم أرتبط ارتباطًا كاملًا بالفرنسيين ولا بالعرب. بقيت دائمًا المنفية الأبدية التي لم تشعر قط بأنها في بيتها. واليوم، أكثر من أي وقت مضى، آمل أن أكون في بيتي، في قريتي، وسط أولئك الذين هم أهلي، أولئك الذين لنا لغة واحدة وذهنية واحدة."
في مراجعة الكتاب التي نُشرت على موقع الصالون بعنوان "في معنى أن تكوني امرأة ... في مجتمع لا تحكمه النساء"، ترى زهرة مصباح أن "قصة حياتي" يصحب القارئ في رحلة عبر "حقبة من تاريخ الجزائر نادرًا ما نجد حولها هذا الكمّ من التفاصيل الدقيقة، لا سيما تلك المتعلقة بالحياة اليومية في المجتمع القبائلي خلال فترة الاستعمار الفرنسي." وتشير مصباح إلى أن خلفية المترجمة الجزائرية ومعرفتها العميقة بالسياق الثقافي والاجتماعي والتاريخي للمدن القبائلية أضافت إلى النص بعدًا تفسيريًا مهمًا، خاصة في ما يتعلّق بالأسماء والمفردات الواردة باللهجة القبائلية، التي جرى توضيحها بدقّة للقارئ العربي.
وتؤكد مصباح أن "هذه السيرة الذاتية كنزًا ثمينًا لكل المهتمّين بالدراسات الاستعمارية والنسوية، فهي ليست مجرّد سرد روائي لحياة فاضمة بقدر ما هي توثيق تاريخي للتراث المادّي وغير المادّي للمنطقة، بالإضافة إلى استعراض كيفية توزّع الأدوار الاجتماعية بين النساء والرّجال." ويبقى “قصة حياتي” مرآة صادقة لتجربة النساء القبائليات، وشهادة حيّة على تحوّلات مجتمع وجد نفسه بين وطأة الاستعمار وثقل التقاليد الراسخة.
في هذه الحلقة، ندعوكم للإصغاء إلى صوت طال بقاؤه في هامش السرديات الكبرى، ولتأمّل سيرة امرأة تختزل في كتابتها أثر زمن مضطرب. فبعد أن توقفنا في حلقات سابقة عند تجارب نسائية مؤثرة، من سيرة الفلسطينية ليلى خالد إلى عالمة الاجتماع السعودية ثريا تركي، ومن أيقونة الغناء العربي أم كلثوم إلى مصممة الحُلي المصرية عزة فهمي، نصل اليوم إلى الحلقة الخامسة، حيث تتجه المرآة هذه المرّة نحو الجزائر.
دمتم بخير،
رهام عمرو


