بين صفحات الكتب: إيران من الداخل
تقدّم هذه الكتب الصادرة بالفارسية قراءة لإيران بعيدًا عن الصور النمطية التي تصوغها نشرات الأخبار والخطابات السياسية.
القارئات والقراء الأعزاء،
يقدّم عباس علي موسى في نشرة “بين صفحات الكتب“، من خلال كتب صادرة باللغة الفارسية خلال السنوات الأخيرة، قراءات عن إيران بعيدًا عن الصورة التي تصوغها نشرات الأخبار والخطابات السياسية. إذ نرى تقاطع تجربة السجن مع أسئلة الدين والدولة، وتتداخل الشهادات الفردية مع تحولات السلطة والمجتمع.
ويستعرض هذا العدد ست مؤلفات تتوزّع على ثلاثة محاور رئيسية: من رسائل نسرين ستوده وشهادة نرجس محمدي القادمة من داخل الزنازين، إلى مراجعات صديقة وسمقي ورضا عليجاني لعلاقة الدين بالجسد ومصير الإسلام بعد تجربة الجمهورية الإسلامية، وصولًا إلى مذكرات معتصم السلطنة في مرحلة القاجار وما تلاها من الحكم البهلوي، ومذكرات محمد جواد ظريف، حيث تتبدى حدود الدبلوماسية وآليات صنع القرار في إيران المعاصرة.
ومن خلال هذه الإصدارات المتنوعة، يرسم العدد صورة لإيران من الداخل، تتقاطع فيها ثنائيات القمع والذاكرة، والمقدّس والسياسة، والدولة بوصفها ساحة دائمة للصراع والتحوّل.
تجربة السجن في إيران: شهادات من داخل الزنازين

تقدّم نسرين ستوده في كتابها “نامههای زندان / رسائل السجن” كتابةً شديدة الخصوصية عن تجربة الاعتقال في إيران. غير أنّ هذه التجربة لا تنحصر في صورة الضحية الصامتة، إذ تتقدّم من خلالها محاميةٌ وناشطةٌ حوّلت الكتابةَ إلى شكل من أشكال الشهادة والمقاومة. يجمع الكتاب الرسائل التي وجّهتها ستوده من السجن إلى زوجها وأبنائها وأصدقائها وزملائها، إضافةً إلى مراسلاتها مع بعض المؤسسات الحقوقية، خلال سنوات ملاحقتها على خلفية دفاعها عن سجناء سياسيين وعن ناشطات في مجال حقوق النساء، ولا سيما المدافعات عن حق المرأة في رفض الحجاب الإلزامي.
لا يعتمد الكتاب سردًا سياسيًا مباشرًا ولا يتكئ على بناء نظري، لكنه ينشغل بتفاصيل الحياة اليومية داخل السجن: القلق على الأبناء، الخوف من النسيان، محاولة الحفاظ على روابط الحب في العزلة، واستعادة معنى المهنة حين تتحوّل المحاماة عن الناس إلى تهمة. ومن خلال هذه التفاصيل الصغيرة، تكشف ستوده عن بنية قمع تستهدف الذاكرة الفردية والجماعية، وتمتد إلى علاقة السجين بعائلته والعالم من حوله.

تُقدّم نرجس محمدي في كتابها “شکنجهی سفید / التعذيب الأبيض” شهادة حقوقية وإنسانية عن تجربة السجن، ولا سيما تجربة النساء السياسيات اللواتي دخلن المعتقل لأنهن اخترن قول “لا” في مواجهة أشكال متعددة من السلطة. ويكشف الكتاب انتقال التعذيب من صورته الجسدية المباشرة إلى شكل أكثر خفاءً وتعقيدًا، إذ لا ينصبّ الهدف على ترك أثر ظاهر في الجسد، وإنما على تفكيك علاقة السجينة أو السجين بالزمن والصوت والضوء والآخرين، وصولًا إلى زعزعة علاقته بذاته.
تستمد هذه الشهادة قوتها أيضًا من سيرة صاحبتها، فهي ناشطة حقوقية أمضت سنوات طويلة بين السجن والمحاكمات والعمل الحقوقي الميداني، قبل أن تتحول، بعد نيلها جائزة نوبل للسلام عام 2023، إلى واحدة من أبرز الأصوات العالمية المدافعة عن حقوق النساء والسجناء ورفض عقوبة الإعدام. ويكتسب الكتاب راهنية إضافية في ضوء ما تعرضت له محمدي من تدهور صحي ونقل من السجن إلى المستشفى، إذ لا تضع هذه التحوّلات نهاية لتجربتها، بقدر ما تعيد تأكيد إحدى أفكار الكتاب الأساسية: أن أثر “التعذيب الأبيض” يمتد إلى الذاكرة والجسد والحياة اليومية بعد الخروج من السجن، ولا يتوقف عند حدود الزنزانة.
وتكمن قيمة الكتاب في إبراز دور محمدي في إنتاج الذاكرة المرتبطة بالنضال الحقوقي والنسوي في إيران، لا في تقديمها بصورة الضحية فقط. وبإيراد شهادات اثنتي عشرة سجينة سياسية (بالإضافة إلى شهادة الكاتبة نفسها) من خلفيات فكرية ودينية واجتماعية وقومية متباينة، يتحوّل السجن مع هؤلاء النساء (الشاهدات/الضحايا) إلى لوحة لإيران الأخرى، إيران التي لا تفرح بالحرب ضدها، لكنها غير منسجمة مع النظام السائد. فيرسم الكتاب صورة النساء اللاتي تُعارضن من أجل إيران أفضل، إيران تتسع للجميع: نيكارا أفشار زاده التركمانية، ومهوش شهرياري البهائية، وهنكامة شهيدي الإصلاحية، وفاطمة محمدي المتحوّلة دينيًا إلى المسيحية، ونازيلا نوري من الدراويش الغناباديين، وغيرهن من الناشطات الكرديات والبلوشيات والعربيات، واللاتي لم يتسنَّ للمؤلفة محمدي الالتقاء بهن. ومع هذه الأمثلة مجتمعة تتشكّل صورة أكثر اكتمالًا لتجربة الاعتقال في إيران.
السلطة والإسلام السياسي في إيران

يتناول “چرا علیه حجاب شوریدم؟ / لماذا ثُرتُ على الحجاب؟” شهادةً فكريةً وسياسيةً عن المسار الذي قاد صديقة وسمقي من داخل المؤسسة الدينية والفقهية إلى مواجهة الحجاب الإلزامي، الذي ارتبط في تجربتها برمز لسلطة دينية تتجاوز تنظيم المجال العام لتصل إلى التحكم في الجسد والضمير والاختيار. يبدو الكتاب في ظاهره سيرةً تتصل بقرار خلع الحجاب وما تلاه من أحداث شخصية، إلا أنّه في جوهره مراجعةٌ مطوّلة لعلاقة الدين بالقانون، والفقه بالسلطة، والمرأة بالدولة. وقد اختارت وسمقي أن تبني كتابها على أربعة فصول تسير وفق تسلسل تاريخي لا موضوعاتي، يُدمج كل فصل بين الخاص والعام ليضع تجربتها في سياقها السياسي الأشمل.
تنبع أهمية الكتاب من أنّ وسمقي لا تكتب من موقع خصومة خارجية مع الدين، وإنما تنطلق من داخل تجربة طويلة في دراسة الفقه والإلهيات وتدريسهما، فضلاً عن ممارسة القانون والنضال في ملف حقوق المرأة. ولذلك تبدو حجتها أشدّ إرباكًا للخطاب الرسمي، إذ تعود إلى النصوص والتاريخ والفقه لتقول إنّ إلزام المرأة بتغطية شعرها ليس أمرًا قرآنيًا صريحًا، وإنّ تحويل اللباس إلى قضية أمنية وسياسية إنما هو صناعة سلطوية حديثة لا ضرورة دينية.
يتجاوز كتابها الجدل الفقهي حول الحجاب إلى رصد العنف الرمزي والمادي الذي مارسته الجمهورية الإسلامية الإيرانية على النساء وما تزال تمارسه؛ من حادثة مقتل مهسا أميني إلى قضية آرميتا كراوند، ومن الشارع إلى سجن إيفين (اوين). وهنا تصل المؤلفة إلى لحظة تحوّل الحجاب، من منظور الجمهورية الأمني والسياسي، إلى نظام طاعة واختبار يومي لقدرة الدولة على إخضاع المرأة وإعادة إنتاج الخوف باسم الشرع والقانون.
يقدم رضا عليجاني في كتاب “آیندهی اسلام در ایران / مستقبل الإسلام في إيران“ عملاً حواريًا مع عدد من أبرز المفكرين الإيرانيين حول مصير الدين في إيران بعد تجربة الجمهورية الإسلامية، من زاوية تتجاوز السؤال الديني الضيق نحو أسئلة أوسع تتصل بالدولة والمواطنة والحرية.
يجمع الكتاب حوارات مع أصوات فكرية متباينة في آرائها ومقارباتها، ما يجعل منه خريطة نقدية واسعة للمشهد الديني الإيراني. وينطلق من فرضية محورية مفادها أنّ إيران لم تعد المجتمع التقليدي نفسه الذي عرفته قبل الثورة؛ إذ دخلت فيما يسمّيه عليجاني “النهضة الإيرانية”، التي يبدأ مسارها من نقد الدين ونقد السلطة الدينية في آن واحد. فالتجربة الطويلة لولاية الفقيه حوّلت الإسلام السياسي، في نظر كثير من المحاورين، من وعدٍ بالخلاص إلى اختبار تاريخي قاسٍ، كشف أزمة الحكم الديني، وأفضى إلى نقدٍ واسع للفكرة الدينية حين تحكم الدولة، ولولاية الفقيه حين تتحوّل إلى أداة للحكم. غير أنّ الكتاب، على الرغم من نقده للإسلام السياسي، لا يقع في مطبّ معاداة الدين، إذ يقرّ بالحاجة المعنوية والأخلاقية إليه داخل المجتمع، بعيدًا عن توظيفه كأيديولوجيا للدولة. ومن هنا تتكرّر في الحوارات أسئلة حول الأخلاق الكونية وحقوق الإنسان معيارًا لا غنى عنه لتقييم أي مشروع ديني أو سياسي.يضم الكتاب أربعة أجزاء، يتناول الجزء الأول المرأة ككائن من أبعاد مختلفة، بدءًا من البعد البيولوجي، إذ إن البويضة أكبر بمئات المرات من الحيوان المنوي الذي يخصبها، وتحتوي على المعلومات الجينية البدئية اللازمة لتكوين الجنين/ الإنسان، مرورًا بدور المرأة المهم في التاريخ، فهي التي عرفت الزراعة بينما خرج الذكر للصيد، ولولا الزراعة ما كان استقرار الإنسان ونشأة الحضارات بشكل مطلق.
الدولة من الداخل: مذكرات وسير سياسية

يُقدّم محمد جواد ظريف في كتابه “پایاب شکیبایی / مُنتهى الصبر” شهادة سياسية عن السنوات الثماني التي قضاها وزيرًا للخارجية الإيرانية بين عامي 2013 و2021، وهي مرحلة اتسمت بالعقوبات، والمفاوضات النووية، والتوترات الإقليمية، إلى جانب التنافس داخل مراكز القرار في الجمهورية الإسلامية نفسها. ويقترب الكتاب، الذي ينتمي إلى أدب المذكرات السياسية، من مراجعة لتجربة دبلوماسية معقّدة، يحاول ظريف من خلالها استخلاص دروس تتصل بمستقبل السياسة الخارجية الإيرانية وحدود حركتها.
تكمن أهمية الكتاب في كشفه طبيعة الفعل الدبلوماسي داخل نظام لا تنفرد فيه وزارة الخارجية بصناعة القرار الخارجي. فمن خلال حديث ظريف عن اتفاق “برجام“ (خطة العمل الشاملة المشتركة/ الاتفاق النووي)، والعلاقة مع الولايات المتحدة، ودور المجلس الأعلى القومي، وحضور المؤسسات الأمنية والعسكرية في الملفات الإقليمية، تتضح البنية المركّبة التي تتحرك داخلها الدبلوماسية الإيرانية، حيث تعمل أجهزة متعددة ضمن مساحات متداخلة من النفوذ والتأثير. كما يربط ظريف تجربته بالتحولات التي شهدها العالم بعد الحرب الباردة، وبحاجة إيران إلى بناء فهم أكثر واقعية لإمكاناتها وحدودها في نظام دولي شديد التقلب.
ومع ذلك، لا يقدّم ظريف رواية محايدة تمامًا، فهو أحد أبرز صناع تلك المرحلة، ويكتب من موقع المدافع عن خياراته، خصوصًا في ما يتعلق بالاتفاق النووي وانسحاب واشنطن منه، إضافة إلى الأزمات التي كشفت هشاشة التنسيق الداخلي، مثل إسقاط الطائرة الأوكرانية. ولهذا تبدو المذكرات أقرب إلى شهادة سياسية ذاتية تكشف رؤية صاحبها للمرحلة بقدر ما توثّق أحداثها.

مثّل كتاب المذكرات السياسية لمعتصم السلطنة “خاطرات سیاسی مهدى فرخ” شهادة رجل دولة عاش مرحلة انتقالية شديدة الحساسية بين أواخر العهد القاجاري وبدايات الدولة البهلوية، مقدّمًا إطلالة على آليات الحكم في إيران قبل الجمهورية الإسلامية، وعلى تشكّل الدولة الحديثة في سياق اتسم بالفقر والتدخل الأجنبي وضعف المركز وصعود النخب البيروقراطية الجديدة.
وتتجلّى أهميته في أنّ صاحب المذكرات كان جزءًا من جهاز الدولة، إذ تولّى مناصب متعددة في الخارجية، وعمل نائبًا ووزيرًا وسفيرًا وحاكمًا في عدد من الأقاليم. وتكشف تجربته عالمًا سياسيًا متداخلًا، تتقاطع فيه البلاطات والوزارات والولايات والسفارات والقوى الأجنبية والزعامات المحلية، بما يقدّم صورة للدولة كبنية تفاوضية قلقة تتحرك بين ضعف القاجار ومحاولات البهلويين بناء مركز قوي، لا بوصفها وحدة متماسكة مستقرة.
وتستعرض المذكرات أحداثًا تاريخية مفصلية في تلك المرحلة، مثل حركة جنگل في جيلان وظهور ميرزا كوجك خان، وصعود سردار سپه (لقب من ألقاب رضا بهلوي)، وأزمة خراسان مع محمد تقى خان پسيان، وغيرها من التحولات الفارقة. وتشير هذه الوقائع إلى أنّ الدولة الإيرانية الحديثة تشكّلت في سياق صراع حول معنى الدولة نفسها، بين سؤال المركزية الصارمة، أو كونها مجالًا لتوازنات النخب والأقاليم والقوى الخارجية. وهنا تتضح قيمة الكتاب في محاولة تتبّع الجذور التاريخية لتعدد مراكز القرار في إيران.



