جين... من قلب المكان
في هذه الحلقة من "بودكاست المرآة"، نقرأ ما كتبته جين في "جدَّتي وأُمّي وأنا"، لتقول إنَّها ما تزال هنا... في "قلبِ المكان"، متجاوزة حدود الذكريات العائلية إلى قراءة تاريخ غير رسميٍّ للمنطقة العربيّة.
القارئات والقراء الأعزاء،
على امتداد عقود، اقترن اسم “آل سعيد“ في المخيلة الفكرية بسرديّات المكان؛ بدءًا من مؤلّفات روزماري سعيد زحلان التي أرّخت لدول الخليج العربي، وصولًا إلى “الاستشراق” و”خارج المكان” لإدوارد سعيد الذي حوّل نصوصه إلى مساحة للتأمّل في تشتّت الفلسطينيين وفقدانهم للمكان، حتى غدت سردًا متكرّرًا لخسارته، في عالمٍ “تبخّر فيه ثبات الجغرافيا”، ولم تعد العودة إليه ممكنة إلا بوصفها استعادة رمزية عبر اللغة والذاكرة.
وفي امتدادٍ موازٍ لهذا الاشتغال، تبرز روزماري سعيد زحلان بحضور علمي لافت، قابله توارٍ شخصي واضح؛ فقد رحلت دون أن تترك مذكّرات، ولم يُتح عنها سوى شذرات قليلة، كأنها اختارت أن تعمل في صمت. ورغم انشغالها الأكاديمي بتاريخ الخليج، حافظت على انتمائها للمكان الفلسطيني بوصلةً وجدانية ومعرفية ثابتة، حتى وُصفت بأنها “مؤرّخة الخليج التي كان قلبها في فلسطين.”
أسهم هذا الامتداد الفكري في ترسيخ حضور عائلةٍ غدت من أبرز الأصوات التي أعادت التفكير في جدلية الجغرافيا والهوية والتاريخ. ومن داخل هذا الإرث، يبرز صوت جين سعيد المقدسي المنحاز إلى السيرة والذاكرة، ليقدّم قراءة حميمة للمكان عبر تجربة العائلة وتحوّلاتها. في هذه الحلقة من “بودكاست المرآة”، نقرأ ما كتبته جين في “جدَّتي وأُمّي وأنا”، لتقول إنَّها ما تزال هنا... في “قلبِ المكان”، متجاوزة حدود الذكريات العائلية إلى قراءة تاريخ غير رسميٍّ للمنطقة العربيّة.
نُناقش هذه المذكّرات مع دينا عزّت وخالد منصور، في تداخل يجمع السيرة الذاتية بالتاريخ الشفهي والاجتماعي، ليُعاد طرح أسئلة المكان والانتماء والهوية من زوايا جديدة. ويتوقّف النقاش عند مشاهد مكثّفة في النص ليطرح سؤال الكتابة النسوية للتاريخ، حين تلجأ جين إلى “الخيال المرمِّم” لملء فجوات السيرة، مستعيدةً أصوات نساء غُيّبن طويلًا عن الأرشيف الرسمي، في محاولة لاستنطاق ما سكت عنه التاريخ.
يُقدم خالد منصور في مراجعته “الفلسطينيات: انبعاث العنقاء وسط ركام العوالم المنهارة“ قراءةً ترى في هذه المذكّرات تتبّعًا لتاريخٍ طويل من الفقد والتحوّلات، يمتدّ من أواخر العهد العثماني إلى الحروب الحديثة، راصدًا كيف تحوّلت الجغرافيا “من مساحات مفتوحة تمتد من القاهرة إلى بلاد الشام إلى دول بحدود مغلقة”. أما دينا عزّت، في مراجعتها “إدوارد وجين: حول شتات الوطن والذات والسعي لخلق المكان“، فتذهب إلى أن النكبة شكّلت نقطة انتقال عميقة عند إدوارد وجين؛ فثمة حياة ما قبل 1948 محفوظة في ألبومات الصور ورسائل العائلة والأصدقاء، وأخرى تلتها يسيطر عليها هاجس أنه لم يعد ثمة وطن للعودة إليه، حتى بالنسبة للأب الذي كان شغفه بالنظر إلى الأمام ينال من علاقته بالقدس، دون أن يعصمه ذلك من الحزن على خسارة فلسطين.
تغوص هذه المذكرات، مثل سائر السير التي يتأمّلها “بودكاست المرآة“، في معاني الفقد والخسارة، لكنها تكشف في الوقت نفسه عن “قدرة عجيبة على التجاوز وابتكار الحياة من جديد. فهي لا تكتفي بتوثيق إنجازات شخصية ... وإنما تقدّم رؤى متعددة للواقع من منظور نساء” أحاطت بهن الحروب وسيّجتهن مفاهيم الشرف والذكورة، بينما ظلّت الأرشيفات تُهمل أصواتهن، رغم أن مهمتهن الدائمة كانت، ولا تزال، ترميم الحياة وإعادة نسجها. وهو ما يختم به منصور مراجعته بقوله: إنّ هذه السير تكشف قدرة النساء على “ترميم الحياة وإعادة نسجها في كل مرة”، مهما استعرت الحروب وتراكمت الخسارات.
في هذه الحلقة، ندعوكم للاستماع إلى سيرةٍ تعيد رسم مكان يتعذّر العودة إليه في الواقع. نقرأ اليوم سيرة عائلة غدت كتاباتُها دفاعًا عن الوجود، حين عَزَّت الأرض وتلاشى ثباتُ الجغرافيا.
والمرآة هذه المرة... من قلب المكان.
دمتم بخير،
رهام عمرو

