قراءات إسبانية في تحوّلات المنطقة
في هذا العدد نتعرف على مجموعة من الكتب الإسبانية التي تقدم قراءات نقدية للمنطقة العربية، تتجاوز السرديات الغربية المهيمنة، وتعيد التفكير في المنطقة بوصفها فضاءً تتشابك فيه السياسة بالتاريخ.
القارئات والقراء الأعزاء،
نقدم لكم العدد الجديد من نشرة "بين صفحات الكتب"، التي انطلقت لتكون مساحة دورية تقدّم إطلالات سريعة عن أحدث الإصدارات غير الروائية المتعلّقة بالمنطقة العربية والعالم. في هذا العدد نتعرف على مجموعة من الكتب الإسبانية التي التي صدرت خلال السنوات الأخيرة. وتقدم قراءات نقدية للمنطقة العربية، تتجاوز السرديات الغربية المهيمنة، وتعيد التفكير في المنطقة بوصفها فضاءً تتشابك فيه السياسة بالتاريخ وإنتاج المعرفة.
يجمع هذا العدد ستة مؤلفات تتناول محاور متداخلة: من تفكيك بنية الاستعمار الاستيطاني، إلى رصد تحوّلات القوة والهيمنة في الخليج العربي، وصولًا إلى استكشاف "الحروب المعرفية" بوصفها أداة لإعادة تشكيل الوعي وموازين الصراع. كما يعيد العدد قراءة الإرث الأندلسي، ويتتبّع التعقيدات الأمنية في الفضاء الأورومتوسطي، بما يكشف عن ترابط الأبعاد الجيوسياسية والثقافية في فهم تحوّلات المنطقة.
فلسطين: الاحتلال، الاستعمار، والفصل العنصري

يقدّم كتاب “فلسطين: الاحتلال، الاستعمار، والفصل العنصري” إطارًا تفسيريًا جديدًا لفهم ديناميات الاستعمار الاستيطاني في فلسطين التاريخية، في ترابط مع تحوّلات الجغرافيا السياسية والديناميكيات الاجتماعية والاقتصادية في الشرق الأوسط المعاصر، وذلك في ضوء الاهتمامات البحثية والمهنية لإتشاسو دومينغيز دي أولازابال، التي تعمل منسّقةً لمنطقة الشرق الأوسط والمغرب العربي في مرصد السياسة الخارجية الإسبانية.
يضمّ الكتاب سبعة فصول تتناول بالتفصيل المنعطفات الكبرى في تطوّر الاحتلال الصهيوني، وديناميات الحركة الوطنية الفلسطينية والشتات الفلسطيني في القرن الحادي والعشرين، كما يناقش حدود تأثير المجتمع الدولي. ويختتم الكتاب بنص للأكاديمية التشيلية من أصل فلسطيني، نادية شاهين، حول سبل تطوير أشكال جديدة من المقاومة لإسناد نضال الشعب الفلسطيني.
تسعى الكاتبة، على امتداد هذه الفصول، إلى تفكيك عدد من الأوهام في المقاربة الغربية للقضية الفلسطينية، التي تتأرجح بين تقديم دعم إنساني محدود ومشروط لضحايا الآثار الحربية التي تخلّفها إسرائيل، وطمس أشكال المقاومة المشروعة التي يمارسها الفلسطينيون دفاعًا عن أرضهم ومستقبلهم، انطلاقًا من كون الأمر يتعلق باحتلال استيطاني يمارس أنماطًا حادّة من الإبادة والفصل العنصري، وينفلت باستمرار من قيود الشرعية الدولية. تنطلق إتشاسو دومينغيز من منظور نقدي لإبراز الروابط بين فلسطين التاريخية والسياق العالمي، سعيًا إلى فهم الخلفيات المحرّكة للدعم الغربي غير المشروط لإسرائيل، ضمن خرائط مصالح متداخلة جعلت ملايين الفلسطينيين حول العالم محكومين بحالة انتظار دائم.
وفق هذا التصوّر، ترى الكاتبة أنّ فلسطين قضية عالمية من منظور حقوقي وسياسي، داعيةً إلى تطوير أشكال من النضال العابر للحدود، مثل حركات مقاطعة البضائع الإسرائيلية، والفعاليات الأكاديمية والمدنية المناهضة للحضور الإسرائيلي، والترافع عبر الشبكات والمؤسسات الحقوقية. وتخلص إلى أنّ التعاطف الغربي مع المنظور الصهيوني بدأ يتآكل تحت تأثير تحوّلات هيكلية في الرأي العام، الذي بات ينفلت تدريجيًا من “السرد المهيمن” الذي كرّس طويلًا تفسيرًا انتقائيًا للقانون الدولي يخدم المشروع الاستيطاني الإسرائيلي. كما تشير إلى البعد المؤسسي لهذا التحوّل، مستشهدةً بتصاعد تأثير حركة المقاطعة (BDS) وبعض قرارات المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان.
الحروب المعرفية: كيف تستخدم الدول والشركات والجواسيس والإرهابيون عقلك ساحةً للمعركة

يُعدّ دانييل إيريارتي صحفيًا وباحثًا إسبانيًا بارزًا، متخصصًا في الشؤون الدولية والجيوسياسية، وخبيرًا في تحليل "الحروب الهجينة" (Hybrid Warfare) وحملات التضليل الإعلامي المؤثرة في المسار الديمقراطي. وتتركّز اهتماماته على رصد تغلغل التطرف والأفكار السلطوية داخل الديمقراطيات الغربية، وهو ما يشكّل الجوهر التحليلي لكتابه "الحروب المعرفية." يتألف الكتاب من اثني عشر فصلًا، يعالج فيها مفاهيم الحرب المعرفية، والجيوش الافتراضية، وحرب العصابات الرقمية، ومرتزقة المعلومات المضلِّلة، إضافة إلى التلاعب الخوارزمي بالانتخابات، ومسار الانتقال من الفضاء الرقمي إلى الشارع، وآليات زعزعة الاستقرار السياسي والاجتماعي منخفضة التكلفة.
ينطلق إيريارتي من تجربته مراسلًا صحفيًا في أكثر من خمسين دولة، ليكشف عن “الجغرافيا السياسية للبيانات”، وكيف توظّف الدول القوية الحرب المعرفية ضمن استراتيجيات الهيمنة، بحيث تتحول البيانات التي تعالجها شركات متخصصة إلى عنصر حاسم في إدارة الصراعات العسكرية والسياسية عالميًا، بما يعزّز أدوات القوة الصلبة القائمة على التدخل العسكري والحصار وفرض العقوبات. ويتجلى ذلك، وفق طرحه، في النموذج الإسرائيلي في غزة، حيث استعانت تل أبيب بشركات خاصة، محلية ودولية، لتجنيد "كتائب إلكترونية" تروّج للسرديات الصهيونية، إلى جانب توظيف أدوات رقمية متقدمة للسيطرة على "العقول" عبر منصات التواصل الاجتماعي، مثل برمجية "كلمات من حديد"، المتخصصة في تضخيم الرسائل المؤيدة لإسرائيل وتكرار نشر الردود في حسابات المستخدمين على الشبكات الاجتماعية.
كما يناقش الكاتب آليات “الهندسة التقنية” للفعل الانتخابي، من خلال الجيوش الافتراضية، والروبوتات، وتطبيقات الذكاء الاصطناعي، مبيّنًا كيف تُستثمر البيانات الضخمة المستخلصة من منصات التواصل الاجتماعي في التلاعب بالمسارات الديمقراطية، وإحداث ما يسميه “زعزعة الاستقرار السياسي والاجتماعي منخفضة التكلفة”. ويولي اهتمامًا خاصًا بدور بعض الشركات الإسرائيلية، ولا سيما شركة “أرخميدس“، التي أدت دورًا محوريًا في “فبركة” نتائج ما يقارب ثلاثين عملية انتخابية في دول العالم الثالث؛ ناهيك عن شركات أخرى تابعة لـ “اللوبي الصهيوني”، تسعى باستمرار إلى توجيه السلوك السياسي للناخبين الأمريكيين بما يتواءم ومصالح إسرائيل.
تكمن قيمة الكتاب في تحذيره من تصاعد “حرب البيانات” في ظل التوظيف المتسارع للتكنولوجيا الرقمية، وما يرافقه من اختراق للسيادة السياسية والاقتصادية للدول، فضلًا عن كشفه أوجه استخدام الذكاء الاصطناعي في إسناد آلة القتل المنهجي، وفضحه لدور المنصات الرقمية والشبكات الاجتماعية في إدارة المحتوى، بما في ذلك تقييد أو حذف المحتوى المناصر للقضية الفلسطينية.
عندما كنا عربًا: الأندلس

يبرز إميليو غونزاليس فيرين بوصفه أحد المؤرخين الإسبان المعنيين بالتاريخ الإسلامي الوسيط وبالعلاقات العربية الأوروبية. أسّس وأدار كرسي الأندلس في مؤسسة “الثقافات الثلاث في البحر الأبيض المتوسط”، وعُرف بإنتاجه الغزير على مدى ثلاثة عقود، وبمواقفه المناصرة للقضايا العربية والإسلامية، فضلًا عن معارضته الصريحة للمنظور “القشتالي” التقليدي للتاريخ الإسباني. وقد تجلّى ذلك في مؤلفات مرجعية، مثل: “التاريخ العام للأندلس”، و”الأندلس: النموذج والاستمرارية”، و”طرق الإسلام بالأندلس”.
يضم كتابه “عندما كنا عربًا”، إلى جانب المدخل المفاهيمي والمنهجي، ثمانية محاور كبرى تتمثل في: القرن العشرين، والحداثة السائلة، وعندما كنا عربًا، والجمود الإبستمولوجي، ومفاهيم الإسلامولوجيا، وخيوط اللغة الإسبانية، والحيرة والعزلة، وريكس هيسبانيا. ويرى الكاتب، على امتداد هذه المحاور، أن التراث العربي الإسلامي في الأندلس شكّل نواة النهضة الأوروبية على مختلف المستويات العلمية والفنية والعمرانية، وحتى الفلسفية؛ إذ تعود أصول الفكر التنويري إلى أعمال مفكرين أندلسيين، مثل ابن رشد وابن سينا. وفي المقابل، تتكرّس حالة من الإقصاء تجاه تعبيرات الحضارة الإسلامية. ولتفكيك هذه المفارقة، يدعو الكاتب إلى الاستناد إلى المناهج ما بعد الحداثية للاعتراف بالحدود السائلة بين أوروبا والإسلام، والإحاطة بتعقيدات المصادر الثقافية المشتركة، بما يتيح تقديم تفسيرات أكثر شمولًا وإنصافًا للواقع الإسلامي في أوروبا، وما يترتب على ذلك من مكاسب، من خلال تعزيز روح التسامح والانفتاح، وتقوية فرص اندماج المهاجرين من أصول إسلامية.
في هذا السياق، يوجّه إميليو غونزاليس فيرين خطابه إلى إسبانيا، داعيًا إياها إلى الاضطلاع بدورها التاريخي جسرًا للتلاقح الحضاري بين العالمين العربي والإسلامي من جهة، ودول الاتحاد الأوروبي من جهة أخرى. ويتجلّى ذلك عبر مراجعة النموذج السائد في التعامل مع الامتدادات المستمرة للإرث الأندلسي، والانتقال من مقاربة قومية تسعى إلى طمس آثار الحضارة الإسلامية في الأندلس إلى مقاربة منفتحة تقاوم نزعات اليمين المتطرف.
تكمن قيمة هذا الكتاب في تقديمه قراءة تجديدية لتاريخ الأندلس تفصل بين البعدين الديني والثقافي، وتعيد صياغة الهوية الإسبانية بوصفها جزءًا من الموروث العربي. كما يسعى إلى تجاوز السرديات التقليدية وتفكيك الأحكام المسبقة، من خلال التأكيد على أن الحضور العربي في شبه الجزيرة الإيبيرية كان تعبيرًا عن حضارة وتاريخ مشتركين، قبل أن تكون مجرد عقيدة.


