بين صفحات الكتب: كيف رُويت الحرب السورية؟
في هذا العدد نتعرف على مجموعة من الكتب التي صدرت خلال السنوات الأخيرة حول الثورة والحرب في سوريا وكيف تمت روايتها والتعامل معها إعلامياً.
القارئات والقراء الأعزاء،
نقدم لكم العدد الجديد من نشرة "بين صفحات الكتب"، التي انطلقت قبل أكثر من عام لتكون مساحة دورية تقدّم لمحات عن أحدث الإصدارات غير الروائية المتعلّقة بالمنطقة العربية والعالم. ما نقدّمه هنا ليس مراجعات متعمّقة، بل إطلالات سريعة على كتب قد تثير اهتمام الباحثين عن فهم أعمق لقضايا منطقتنا. في هذا العدد نتعرف على مجموعة من الكتب التي صدرت خلال السنوات الأخيرة حول الثورة والحرب في سوريا وكيف تمت روايتها والتعامل معها إعلامياً.
تبرزُ في الأدبيات البحثية الغربية عن الصراع السوري توصيفاتٌ متواترة طبعت مساره، بدءًا من تشتّت الجبهات، مرورًا بالاحتراب الداخلي، وصولًا إلى انفصال سرديّات النزاع في الداخل والمهجر. يجمعُ هذا العدد أربعة إصدارات تتناول محاور متقاطعة: تقنيات الاتصال، العنف مادّة إعلاميّة، وبُنى السّرديات. يبحث الكتابُ الأول في تحوّلات العمل السياسي الرّقمي في سوريا قبل اندلاع الانتفاضة السّورية وبعدها، بينما يتقصّى الكتاب الثاني الاستقطاب الحادّ والمُبكّر الذي ميّز التعاطي الإعلامي والخبري مع أحداثِ الانتفاضة، وما تَبِعهُ من فقدان ثقة متبادل لجهة التعاطي والتصديق فيما يتعلّق بأحداث العنف في سوريا. أمّا الكتاب الثالث فيتناول الموضوع نفسه، أي حرب البروباغندا التي رافقت النّزاع السوري، إلّا أنه يحصرُ موضوعَه في سرديات الإعلام الغربي بعيدًا عن ميدان الحرب نفسِه. وأخيرًا، يبحث الكتاب الرابع في أنماط العنف التي برزت في مشاهد الحرب السورية، والتي تربطها الباحثة بما تسمّيه "حرب الإقناع".
الميديا الجديدة والثورة: التمرّد على النظام السوري في سنوات ما قبل الانتفاضة
تتتبّع بيلي جان براونلي في كتابها دورَ وسائل الإتصال الرقمية في إشعال الثورة الشعبية في سوريا، الملقبة آنذاك بـ"مملكة الصمت"، وذلك بتسليط الضوء على النشاط المدني الخافت والمتنامي داخل المساحات الرّقمية في الأعوام التي سبقت الانتفاضة، وصولًا إلى تحوّله لممارسة شعبية علنية وتمدّد هذا النشاط إلى الشارع والمجتمع في خضم انتفاضات "الرّبيع العربي". تُعرّف الكاتبة "الميديا الجديدة" بأنها كلّ وسائل الاتّصال والمعلومات التي أتاحها وصول الإنترنت، من مدوّنات ومواقع إخبارية رقمية وشبكات تواصل اجتماعي، إضافة إلى القنوات الفضائية. وقد كرّست هذه الوسائل تدريجيًا، بحسب الكاتبة، انقلابًا اجتماعيًا وسياسيًا على هرمية الإعلام التقليدي، المتمثل بالمطبوعات والإذاعات والقنوات المحلية الرّسمية والخاصة.
تتكوّن المادة البحثية للكتاب من تحقيقات ومقابلات إثنوغرافية جمعتها الكاتبة في دمشق بين عامي 2009 و2010، بحثًا عن الأنماط اليومية والميكروية للنشاط المدني، أي سلوكيات الرّفض والممارسات الصغيرة والمُتمرّدة سياسيًّا، والبعيدة في الوقت ذاته عن رادارات الرّقابة الأمنية. واستأنفت الكاتبة تحقيقها بين عامي 2013 و2014، بعد اندلاع الثورة وموجات النزوح، عبر لقاء نشطاء سوريين وسوريات في لبنان والأردن وتركيا من المُنتمين لأوساط الإعلام والصحافة والمنظمات غير الحكومية المعنية بالشأن السوري. بالإضافة إلى هذه الإثنوغرافيا الميدانية، يستند البحث إلى إثنوغرافيا رقميّة تستقصي النشاط السوري على الفضاء الرقمي خلال السنوات الأولى للانتفاضة.
يبتعد البحث عن التصوّرات الوردية للفضاء الرّقمي التي لوّنت مشهد "الرّبيع العربي" في أشهره الأولى، ليخلص إلى أن الميديا الجديدة تحوّلت، في المشهد السوري، إلى وسيلة حربية ودعائية طغت عليها صور العنف وإرهاب العدو. وقد فتح هذا المسار الرّقمي، كما تختم براونلي، جروحًا وتقرّحات سوف يتوجّب على السّوريين الكفاح لمداواتها وتجاوزها في مرحلة ما بعد الحرب.
دور التحيّز المعرفي وحرب الدعاية والإعلام في سوريا
يتناول كتاب بن كول حرب الدعاية السياسية والإعلامية التي طغت على مشهد الصراع السوري محليًّا وإقليميًا ودوليًّا، والتّي تواجهت من خلالها سرديّتان رئيسيتان: سرديّة النظام من جهة، والسّرديات المقابلة له والداعمة للثورة والانتفاضة الشّعبية من جهة أخرى.
يستهلّ الكاتب بحثه بالإشارة إلى المكانة الخاصة التي احتلّها الصراع السوري في الأوساط البحثية والإعلامية والحقوقية، نظرًا لحالة فوضى المعلومات والاستقطاب الداخلي والخارجي الشديدين اللذين لازما السنوات الأولى للانتفاضة. غذّت هذه الفوضى كميّات كبيرة من الأخبار المضلّلة والفيديوهات التي جرى تكذيبها والرجوع عنها لاحقًا، مما أفاد الأطراف المحلية والإقليمية المتصارعة في تثبيت سردياتها لدى مناصريها، ومنح عامل الانحياز المعرفي موقعًا يستحق البحث في مسارات الرأي والتموضع اللاحقة المتصلة بالصراع السوري.
يقع صلب العمل البحثي للكتاب في تحليل العناصر المُحرّكة، أي الديناميكيات النفسية والإدراكية المرتبطة بحرب البروباغندا ومسارات تشكُّل الرأي العام الناتجة عنها. ويبرز مفهومان مركزيان في هذا السياق: "الانحياز المعرفي" و"السرديات المُهيمنة"، بوصفهما إطارين لفهم أنماط تحوّل الحدث إلى مادّة إخبارية، ثم إلى سرديّة طاغية في متناول الرّأي العام.
بروباغندا النّزاع السّوري: حروب السّرديات
يطرح كتاب “حرب السّرديات” لأوليفر بويد باريت نظرية مفادها تواطؤ ما يسميه "الإعلام الغربي المهيمن" والمنظمات الحقوقية والإنسانية الغربية مع حكوماتها في تسويق سياسات التدخل الخارجي في سوريا منذ اندلاع احتجاجات درعا عام 2011 وتحوّلها تدريجيًا إلى نزاع مسلح. وتَغْلبُ على الكتاب نّبرة اتّهامية، إذ يعرض بويد تبنّي الإعلام الغربي التقليدي، بصورة صارخة ودعائيّة، خطاب وسرديّات القوى المعارضة لنظام الأسد وحلفائه، ويتّهم هذا الإعلام بتجاهل سرديّات بديلة اعتبرها أكثر رصانة وموضوعية. ينطلق الكاتب في فحصه لـ"الحرب السورية في الإعلام الغربي" من أبحاثه السابقة حول ما يسميه "الإمبريالية الإعلامية"، (وهو عنوان كتاب له صدر عام 2014 ولم يُترجم بعد)، إذ يناقش تواطؤ مؤسسات غربية مهيمنة، من حكومات ووسائل إعلام ومنظمات حقوقية وإنسانية، في الترويج لسرديات تخدم المصالح الإمبريالية الغربية. ويتناول في هذا السياق ما يصفه بسياسة الكيل بمكيالين في الدبلوماسيات الغربية، أي الاحتماء بشعارات الديمقراطية وحقوق الإنسان لتحقيق مصالح غربية بحتة لا صلة لها بالمعايير أو بالأخلاق. غير أن محتوى الكتاب ينحصرُ في تحليل الخطاب والسّرد الإعلامي الغربي عن الصراع السوري، فيما يغيب عنه، إلى حد كبير، الإلمام بالميدان وبالمشهد السّوريين. وتُشكّل "المصادرُ الثانوية"، أي نصوصُ الأخبار والاستقصاءات الصحفية كما وردت في الإعلام الغربي، إضافة إلى تقارير لجان التحقيق التّابعة لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية، الموادّ البحثية الأساسية للكتاب.
وعلى الرّغم مما يوحي به عنوان الكتاب من مناظرة موضوعية وتفكيك منهجيّ لسرديّات إعلامية متناقضة، فإن تحّيزًا أيديولوجيًا للإعلام البديل، لمجرد كونه بديلًا، يطغى على قراءة الكاتب لمختلف الأحداث الكبرى في الصراع السوري. فـ"الإعلام البديل"، كما يظهر في مواد الكتاب، لا يتجاوز بضعة صحفيين وباحثين مستقلّين ممن سمح لهم نظام الأسد دون غيرهم، بتغطية الحرب السورية إلى جانب قوّاته ومناصريه، إضافة إلى عدد من التحقيقات الصحفية التي شكّكت، من دون أن تجزم، في بعض الرّوايات التي انتهت إليها كُبرى السّرديات الإعلامية الغربية، مثل هجمات الأسلحة الكيميائية في غوطة دمشق عام 2013 أو في خان شيخون عام 2017، وغيرها من الأحداث الفارقة في الحرب السورية.
الانقسام السّوري: نَماذج العنف وتعقيدات الحرب الأهليّة
يتناول كتاب أورا شيكلي علاقات العنف والسرديّات والسّلوك الميداني للأطراف المتصارعة خلال سنوات الحرب السورية، ويسلّط الضوء على تعقيدات هذه العلاقات ودورها في تفتيت مشهد الصراع السوري والحرب الأهليّة. تشمل مواد الكتاب بيانات ميدانيّة لحصيلة ما يقارب خمسين مقابلة مُعمّقة أجرتها الباحثة الأمريكية بين عاميّ 2018 و2019، بالإضافة إلى الاستماع والمشاركة في فعاليات سورية عامّة في دول المنفى واللجوء. وتوزّعت التغطية النوعيّة للمقابلات على سوريّين من مختلف المناطق والتوجّهات؛ من ناشطين ثوريين سلميين، ومقاتلين من الجيش الحرّ ومن فصائل إسلامية وجهادية وكرديّة، وصولًا إلى أفراد مناصرين للنظام من مدنيين وعسكريين أو حتّى مشاركين سابقين في نشاطات تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام، المعروف بـ”داعش”.
في المضمون التحليلي، يبحث الكتاب في أنماط العنف التي تجلّت في الحرب السّورية، وهي أنماط تعكس فجوات واضحة، بحسب الباحثة، بين أسباب الكفاح والقتال التي عبَّر عنها مختلف المقاتلين من جهة، والسّلوك الميدانيّ والعسكري للمجموعات التي انتمَوا إليها من جهة أخرى.





