سياسة الغاز وأسئلة القوة: إسرائيل في معادلات شرق المتوسط
تتناول سوجاتا أشواريا في كتابها التداعيات الداخلية والخارجية لاكتشافات الغاز الطبيعي في إسرائيل. كما تجدون اقتراحات لمراجعات أخرى عن سياسات دولة الاحتلال في آخر النشرة.
يتناول كتاب سوجاتا أشواريا “غاز البحر الأبيض المتوسط الإسرائيلي” التداعيات الداخلية والخارجية لاكتشافات الغاز الطبيعي في إسرائيل، وتحولها من دولة مستورِدة للطاقة إلى مصدِِّرة لها، وما ترتب على ذلك من آثار اقتصادية وجيوسياسية على منطقة شرق المتوسط. كما يستعرض الجدل الدائر حول حوكمة الموارد الطبيعية، وسياسات الضرائب والتصدير، ويحلّل دبلوماسية الغاز الإسرائيلية مع دول الجوار. فيقدّم الكتاب، في مجمله، قراءة تركيبية تجمع بين التاريخ والسياسة والاقتصاد، لفهم واقع الطاقة في إسرائيل ومساراته المستقبلية.
رامز صلاح [1]
لم تكن اكتشافات الغاز الطبيعي في شرق البحر الأبيض المتوسط مجرّد حدث اقتصادي عابر، فقد شكّلت تحوّلًا ديناميًا في الواقع الجيوسياسي للمنطقة برمّتها، منبئةً بتغيير غير مسبوق في قواعد السياسة والاقتصاد، ومبشّرةً، في الوقت ذاته، بإمكان تحويل المنطقة من بؤرة صراع إلى ساحة تعاون وتبادل مُربح. في هذا السياق، يقدّم كتاب "غاز البحر الأبيض المتوسط الإسرائيلي: الحوكمة المحلية، الأثر الاقتصادي، والتداعيات الاستراتيجية"[2] لسوجاتا أشواريا، الأستاذة في مركز دراسات غرب آسيا بالجامعة المليّة الإسلاميّة في نيودلهي، تحليلًا شاملًا لقطاع الغاز الطبيعي الناشئ في إسرائيل، مسلّطة الضوء على تأثيراته المتعدّدة على المستويين الداخلي والخارجي.
يستعرض الكتاب، المؤلّف من أربعة فصول، تاريخ قطاع الطاقة بدءًا من الاعتماد شبه الكامل على واردات الطاقة وصولًا إلى اكتشافات الغاز، ويناقش التحدّيات التي واجهتها إسرائيل في صياغة سياسة وطنية فعّالة لإدارة هذه الموارد الجديدة والبحث عن موطئ قدم لها في سوق الطاقة الإقليمية.
تتبنّى الكاتبة منهجية متعدّدة التخصّصات، تجمع بين العلوم السياسية والاقتصاد والعلاقات الدولية، لتحليل الديناميات المعقّدة لحوكمة قطاع الطاقة في إسرائيل. كما تعتمد على المناهج النوعية في قراءة الوثائق السياسية، والأطر التنظيمية، والسياق التاريخي لتطوّر الطاقة في هذا الكيان، الذي يحتل الأراضي الفلسطينية منذ عام 1948.
إسرائيل.. من النُدرة إلى الوفرة الطاقويّة
تبدأ أشواريا كتابها بمقدمة تسرد تاريخ الطاقة في إسرائيل منذ احتلالها للأراضي الفلسطينية، في مرحلة اتسمت بنقص حاد في مصادر الطاقة، وفي ظل محيط إقليمي عربي غني بالموارد لكنه معادٍ سياسيًا، الأمر الذي حال دون اندماجها في أي شبكة إقليمية فاعلة لتبادل الطاقة.
ومن زاويةٍ أوسع، تُناقش الكاتبة اعتماد إسرائيل الكبير على الفحم المستورد في توليد الكهرباء، بوصفه انعكاسًا لتحديات استراتيجية رافقتها منذ أزمة النفط عام 1973، في ظل الحظر النفطي العربي الشامل. وتوضح أن هذه الهشاشة البنيوية، التي تفاقمت مع حرب أكتوبر وما تلاها من حظر نفطي، كشفت عن ضعف استراتيجي في قلب اقتصاد صناعي آخذ في النمو. وقد دفعت تلك الأزمة إسرائيل إلى تبنّي استراتيجية متعددة المسارات لضمان أمن إمدادات الطاقة، تمثّلت في تنويع مصادر الاستيراد، والبحث عن موردين أقرب جغرافيًا، وتسريع عمليات التنقيب عن مصادر محلية، وتأمين الحماية المادية لمنشآت الطاقة المعرّضة للخطر، إلى جانب استكشاف مصادر الطاقة المتجددة، في محاولة للحد من اعتمادها شبه الكامل على الوقود الأحفوري.
وفي هذا السياق، تستعرض الجهود الإسرائيلية المبكّرة للتنقيب عن النفط والغاز داخل أراضيها، مؤكّدة محدودية النتائج التي أسفرت عنها تلك المحاولات. كما تُسلّط الضوء على أثر احتلال سيناء عام 1967 في تحسين وضع إسرائيل الطاقوي، إذ مكّنها من السيطرة على حقول نفط غنية في شبه الجزيرة، ما أسهم في تحقيق اكتفاء نفطي مؤقت لعدة سنوات، وشكّل آنذاك بارقة أمل للدولة اليهودية.
وتُشير الكاتبة إلى أن إسرائيل اعتمدت تاريخيًا على استيراد نحو 98% من احتياجاتها الطاقوية، مما عرّضها لضغوط سياسية واقتصادية من الدول المنتجة للنفط والغاز في المنطقة. وتتناول أيضًا بداية التحوّل الجوهري مع اكتشاف حقول الغاز قبالة سواحلها في أواخر القرن العشرين، بما مثّل بداية تغيير نمط الاعتماد التقليدي على الفحم والنفط، ومهّد لتحوّل جذري في الوضع الطاقوي مع مطلع الألفية الجديدة، عقب اكتشاف حقول الغاز الطبيعي في المياه الاقتصادية للدولة. وجاء التحوّل الأبرز في عامي 1999 و2000 مع اكتشاف حقلي "يام تيثيس"، الذي يحتوي على نحو 1.2 مليار متر مكعب من الغاز، و"نوا"، ما مكّن إسرائيل من تقليص اعتمادها على واردات الطاقة وتعزيز أمنها الطاقوي. وتواصل هذا المسار باكتشاف حقل "تمار" عام 2009، ثم حقل "ليفياثان" الضخم عام 2010، لترتفع احتياطيات إسرائيل من الغاز الطبيعي من صفر إلى مئات مليارات الأمتار المكعبة، وهو ما أحدث تحوّلًا عميقًا في موازين الطاقة في منطقة شرق البحر الأبيض المتوسط.
وفي سياق متصل، تطرح قضية حقل غاز "غزة البحري"، بوصفها مثالًا كاشفًا على تداخل الطاقة بالسياسة. وقد اكتشفته شركة "بريتيش غاز" عام 1999 قبالة سواحل غزة، ويُمثّل المورد الطبيعي السيادي الوحيد الذي كان من شأنه أن يمنح الفلسطينيين قدرًا من الاستقلال الاقتصادي، ويخفّف من اعتمادهم القسري على إسرائيل في قطاع الطاقة. غير أنّ أشواريا تذكر، بشكل عابر، أنّ رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق أرييل شارون استخدم حق النقض (الفيتو) عام 2000 لتعطيل صفقة كانت تقضي بشراء إسرائيل الغاز من هذا الحقل. وقد برّرت الحكومة الإسرائيلية هذا التعطيل، كما يورد الكتاب، باعتبارات أمنية بحتة، قوامها التخوّف من أن تُستخدم عائدات الغاز في دعم قوى مقاتلة مناهضة لإسرائيل.
وتتناول أيضًا اتفاقية النفط الطارئة بين الولايات المتحدة وإسرائيل، التي تعهّدت واشنطن بموجبها بتزويد إسرائيل بالنفط في حال تعرّضها لحظر أو نقص في الإمدادات. وبرغم تمديد هذه الاتفاقية مرتين، عامي 1994 و2004، تُشير الكاتبة إلى أن إدارة الرئيس باراك أوباما امتنعت عن تجديدها عند انتهاء مفعولها في تشرين الثاني/ نوفمبر 2014. وعليه، يمكن فهم هذا القرار بوصفه تعبيرًا عن واقع طاقوي وجيوسياسي جديد، لا دلالةً على تراجع التحالف الاستراتيجي؛ إذ قادت إدارة أوباما عام 2016، وفقًا لإيشواريا، جهود وساطة مكثّفة لإطلاق حوار طاقوي جديد، تمحور حول تصدير الغاز الإسرائيلي عبر تركيا إلى أوروبا، في محاولة لإنهاء القطيعة التي أعقبت حادثة "مافي مرمرة" عام 2010 بين أنقرة وتل أبيب.[3]
وعلى الرغم من أن إسرائيل لم تُفعّل هذه الاتفاقية فعليًا في أي وقت، فإن حرصها على استمرارها يكشف عن سعيها الدائم إلى الإبقاء على مظلة دعم استراتيجي أمريكي تحسّبًا لأي طوارئ مستقبلية. غير أنّ مرحلة ما بعد انتهاء الاتفاقية شهدت تركيزًا متزايدًا على تطوير قطاع الغاز الطبيعي، مدفوعًا بالاكتشافات الكبرى في شرق البحر الأبيض المتوسط، الأمر الذي عزّز أمن إسرائيل الطاقوي وقلّص اعتمادها على النفط المستورد.
الحوكمة الطاقويّة الإسرائيليّة
في الفصل الثاني، تركز أشواريا على اكتشافات الغاز الطبيعي في إسرائيل وتطوّر الإطار التنظيمي لإدارة هذه الثروة، مقدِّمةً تحليلًا تاريخيًا مفصلًا لمسار الاكتشافات وانعكاساتها على السياسات الحكومية، وما رافقها من تجاذبات بين المصالح العامة والخاصة. وتسلّط الضوء على قانون البترول لعام 1952 بوصفه الإطار القانوني الأول الذي نظّم عمليات التنقيب والإنتاج، مشيرةً إلى أنّ هذا القانون وُضع في مرحلة كانت تعاني فيها إسرائيل ندرةً حادّة في الموارد، فأتاح امتيازات ضريبية سخية للشركات بهدف جذب الاستثمارات وتشجيع البحث عن مصادر طاقوية جديدة.
غير أنّ هذا الإطار التشريعي لم يكن مهيّأً للتعامل مع التحوّل البنيوي الذي أحدثته اكتشافات الغاز اللاحقة، الأمر الذي استدعى إدخال إصلاحات جوهرية على نظام الضرائب والرسوم المفروضة على شركات الغاز، إلى جانب صياغة سياسات جديدة تستهدف ضمان أمن الطاقة وتعزيز المنافسة في السوق المحلية. ومع اكتشاف حقول غاز ضخمة، برزت الحاجة إلى إعادة النظر في منظومة الحوكمة القائمة، بما يضمن حصول الدولة على حصة عادلة من عائدات الغاز وتوجيهها لخدمة الصالح العام.
في هذا السياق، تناقش أشواريا عمل لجنة إيتان شيشنسكي، التي شكّلت محطة مفصلية في تاريخ قطاع الغاز الإسرائيلي، إذ أوصت بتعديل النظام الضريبي، وإلغاء الإعفاءات السخية التي مُنحت سابقًا لشركات التنقيب، وإقرار نظام ضرائب تصاعدية على الأرباح الفائضة، انطلاقًا من مبدأ أن "الموارد الطبيعية ملكٌ للشعب" وينبغي أن تعود عليه بالنفع. وتُبرز الكاتبة أنّ إسرائيل اتخذت، منذ وقت مبكر، خيار إسناد تطوير قطاع الغاز إلى القطاع الخاص، مستفيدةً من الاستثمارات الأجنبية والتكنولوجيا المتقدمة.
للاطلاع على المزيد من المراجعات والتسجيلات التي تتناول موضوعات متشعّبة حول إسرائيل، من حرب 1967 مرورًا ببنية العنف الاستعماري، أرشيف الاحتلال، الأبارتهايد، وصولًا لسلسلة الاغتيالات السياسية، يمكنكم قراءة المراجعات التالية أو الاستماع لتسجيلاتها.
هل انتصرت إسرائيل في حرب 1967؟ نحو فهم إشكالية الدولة والدين في المجتمع الإسرائيلي
الجناية المعمارية: المكان الفلسطيني وبنية العنف الاستعماري
أرشيف الاحتلال: حين كتبت إسرائيل سيناريو الهيمنة
حدود الأبارتهايد الممتدة: إسرائيل وجنوب أفريقيا
عقود من الاغتيالات: الجزء الأول: حين تكتب إسرائيل نهاية الآخرين
عقود من الاغتيالات: الجزء الثاني: من طهران إلى غزة مرورًا ببيروت: المقاومة في دائرة الاستهداف


